مرحبا


    الإمام مالك ‘إمامُ دار الهجرة

    شاطر
    avatar
    أبوجهاد32
    Admin

    عدد الرسائل : 97
    العمر : 28
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 3782
    تاريخ التسجيل : 02/03/2008

    الإمام مالك ‘إمامُ دار الهجرة

    مُساهمة  أبوجهاد32 في الأربعاء فبراير 27, 2013 11:46 am




    الإمام مالك ‘إمامُ دار الهجرة





    حياتُه وآراؤه ومدرستُه العلميَّة


    التعريف به:-


    هو نجم العلماء وإمام الأئمَّة، ورائد مدرسة الأثر في الفقه
    الإسلاميِّ، الإمام مالك بن أنس بن أبي عامرٍ الأصبحيُّ الحميريُّ، أبو عبد
    الله المدنيُّ، إمامُ دار الهجرة .


    وُلِدَ سنة 93هـ على أصحِّ الأقوال، وتُوفِّيَ سنة179هـ، وقد وُلِد وعاش ومات في المدينة، لم يُغادرها قطُّ إلا لحجٍّ أو عمرة.


    أمَّا عن صفته، فقد كان طويلاً عظيم الهامة، أصلع، أبيضَ الرأس واللحية، شديدَ البياضِ إلى الشُّقرة، مهيباً ذا طلعة بهيَّة.



    بيئتُه وأثرُها على توجُّهِه العلميِّ:-

    • وُلد الإمامُ مالك بالمدينة النبويَّة -على ساكنها أفضلُ الصلاة
    وأتمُّ التسليم-، وهي مهبط الوحي، ودارُ الهجرة، ومَعدِن الرسالة، وفيها
    ظهر الحقُّ، وقامت الدولة ورُفع منار الدين وانتشر، ومنها فُتحت البلاد،
    وتواصلت الأجداد، وفي المدينةِ كان الحقُّ ناصعاً والدينُ خالصاً، وعلى
    أنقابها ملائكةٌ تحرسها، حتى لا يدخُلَها الدجال ولا الطاعون، وفيها بقايا
    الصَّحابة والفقهاءُ السبعة المشهورون، ولم يزلِ الدينُ بها قائماً
    والسُّنَّة معلومةً والعلماء متوافرون، وفي هذه البيئة الإيمانيَّة
    والعلميَّة الخالصة، وُلِدَ الإمامُ مالك ونشأ وشبَّ وترعرع، وبين جَنباتها
    شقَّ طريقه نحو حلق العلم والحديث، وجلس لأساطين العلم وقتها.



    • وكان مالكٌ غلاماً عاقلاً، حافظاً ثبتاً، ضابطاً متقناً برَّاً
    تقيَّاً، جلس أولاً لعبد الرَّحمن بن هرمز عالم المدينة سبعَ سنين كاملة،
    تأثَّر خلالها مالكٌ بأستاذه ابن هرمز كلَّ التأثر، ثمَّ جلس لربيعةَ بن
    عبد الرحمن المعروف بربيعةَ الرأي، ونافعٍ مولى ابن عمر، وحمل عنه ثمانين
    حديثاً، وعُرفت روايتُه عنه –مالك عن نافع عن ابن عمر– بالسلسلة الذهبيَّة،
    ودار مالكٌ على علماء زمانه، حتى بلغ عددُ شيوخه تسعمائةَ شيخ، ثلاثمائةٌ
    من التابعين، وستمائةٌ من تابعيهم، من سادتهم الزُّهريُّ وأبو الزناد،
    وعبدُ الرحمن بن القاسم، وأيوب السِّختيانيُّ، وهشام بن عروة، وغيرُهم
    كثير.



    • ولحدَّة ذكاء الإمام مالكٍ ونجابته وإتقانه، بلغ حدَّ التصدُّر،
    وتأهَّل للفُتيا وهو شابٌّ في غضِّ الشباب، وله إحدى وعشرون سنةً، حتى إنَّ
    بعضَ شيوخه قد حَدَّثَ عنه، مثل الزُّهريِّ وربيعةَ الرأي، ومن أقرانه
    الأوزاعيُّ والثوريُّ والليثُ بن سعد وابنُ المبارك وغيرهم.



    ثناءُ العلماء عليه:-

    • لقد كان للإمام مالك شأنٌ في غاية العجب، فلقد ارتفع ذكرُه وشأنُه بين
    العلماء والناس ارتفاعاً ليس له مثيل، على الرَّغم من اقتصاره في العبادة
    والعمل، ورغيد العيش الذي كان فيه، وكان ذلك مصدرَ تعجُّب بعض معاصريه، مثل
    ابن المبارك الذي قال: ما رأيتُ رجلاً ارتفع مثل مالك بن أنس، ليس له
    كثيرُ صلاةٍ ولا صيام، إلا أن تكونَ له سريرةٌ.

    وقال الإمامُ الذَّهبيُّ: قد كان هذا الإمامُ من الكُبراء السُّعداء،
    والسَّادة العلماء، ذا حشمةٍ وتجمُّل وعبيد، ودارٍ فاخرة، ونعمةٍ ظاهرة،
    ورفعةٍ في الدُّنيا والآخرة، كان يقبلُ الهدايا، ويأكل طيِّباً ويعمل
    صالحاً.

    • قال الشَّافعيُّ: إذا ذُكرَ العلماءُ فمالكٌ النجم، ولم يبلغْ أحدٌ
    مبلغَ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانه، وقد جعلتُ مالكاً حجَّةً بيني
    وبين الله -عزَّ وجلَّ-.


    قال عبدُ الله بن أحمد: قلتُ لأبي: من أثبتُ أصحابِ الزُّهريِّ؟
    قال: مالكٌ أثبتُ في كلِّ شئٍ، والقلب يسكنُ إلى حديثه وإلى فتواه، حقيقٌ
    أن يسكن إليه، مالكٌ عندنا حجةٌ لأنه شديدُ الاتِّباع للآثار التي تَصِحُّ
    عنده.


    وقال عبدُ الرَّحمن بن مهديّ: أئمَّة النَّاس في زمانهم أربعة:
    الثَّوريُّ ومالكٌ والأوزاعيُّ وحماد بن زيد، وما رأيتُ أحداً أعقلَ من
    مالك.


    وقال سفيانُ بن عُيينة: مالكٌ عالمُ أهل الحجاز وحجة زمانه.

    ومازال الإمامُ مالك يرتقي في سُلَّم العلم، حتى درج إلى عليائه، وصار
    إمام دار الهجرة، وعَلَمَها المقدَّم، تُضرب إليه أكبادُ الإبل من أقصى
    الأرض لسماع علمه، ونقل فتاواه ومسائله وآرائه، وقد حمل كثيرٌ من العلماء
    الحديثَ الذي أخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ والحاكم عن أبي هريرة -رضي
    الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يُوشكُ أن يضربَ
    الناسُ أكبادَ الإبل، يطلبون العلمَ فلا يجدون عالماً أعلمَ من عالم
    المدينة" وقد أعلَّ الإمامُ أحمد هذا الحديث بالوقف ثم الانقطاع، كما لا
    يُمكن القطع بأنَّ المقصود به الإمامُ مالك، وقد قال بعضُهم سعيد بن
    المسيب.


    والَّذي جعل الكثيرين يحملون الحديث على الإمام مالك، هو أنَّه
    الوحيد من أهل العلم الذي لم يُغادر مكانه، وتأتيه الطلبةُ من كلِّ مكان،
    بل حاول عدَّةُ خلفاء من بني العبَّاس كالمهديِّ والرشيد إقناعَه بالإقامة
    في بغداد، وهو يأبى ذلك، ولم يخرُج من المدينة إلا حاجَّاً أو معتمراً.


    منهجُه العلميُّ:-


    الإمامُ مالك بن أنس هو رائدُ مدرسة الأثر في الفقه الإسلاميِّ،
    لذلك اتَّسم منهجه بالاتِّباع الشَّديد للأثر، فكان إذا صح عنده الأثرُ يقف
    عنده ولا يتجاوزه، ومن أجل ذلك تشدَّد في قبول الحديث وروايته، حتى إنَّه
    كان لا يقبلُ رواية الحديث عن العراقيِّين، لكثرة الفتن والاختلاط عندهم،
    وكان إذا شكَّ في الحديث طرحه كلَّه، ولا يَروي إلا عمَّن هو عنده ثقةٌ،
    يقول سفيان بن عينية: "ما كان أشدَّ انتقاد مالكٍ للرجال وأعلمَهُ بشأنهم،
    وكنَّا نتَّبع آثار مالك، وننظر الشيخ إن كان كتب عنه مالكٌ، كتبنا عنه،
    وكان مالكٌ لا يبلغ من الحديث إلا صحيحاً، ولم يُحدِّث إلا عن ثقة، وما أرى
    المدينةَ إلا ستخرب بعد موته -يعني من العلم-".


    قال الذَّهبيُّ: وقد كان مالكٌ إماماً في نقد الرِّجال، حافظاً
    مجُوِّداً متقناً، وقد سأله أحد تلاميذه يوماً عن رجل، فقال: هل رأيتَه في
    كتبي؟ قال: لا . قال: لو كان ثقةً لرأيته في كتبي، يُعلق الذهبيُّ على هذا
    الكلام فيقول: فهذا القولُ يعطيك بأنَّه لا يَروي إلا عمَّن هو عنده ثقة،
    ولا يلزم من ذلك أنَّه يروي عن كلِّ الثِّقات، ثم لا يَلزم مما قال أنَّ
    كلَّ من روى عنه، وهو عنده ثقةٌ، أن يكونَ ثقةً عند باقي الحُفَّاظ، فقد
    يَخفى عليه مِن حال شيخه ما يَظهر لغيره، إلا أنَّه بكلِّ حالٍ كثير
    التَّحرِّي في نقد الرِّجال، رحمه الله.
    قال ابن أبي حاتم: كان مالكٌ أولَ من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمَّن ليس بثقةٍ في الحديث.


    من أهم مميِّزات الإمام مالك في منهجه العلميِّ توقيرُه الكبيرُ
    لحديث النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقد كان إذا أراد التحديث توضأ وجلس
    على صدر فراشه، وسرَّح لحيته، وتمكَّن في الجلوس بوقار وهيبة، وتَطيَّب
    وأمر بإطلاق البَخور، ثم أخذ في التّحديث، وكان يكره أن يُحدِّث في الطريق
    وهو قائمٌ أو مستعجل، ويقولُ: أُحبُّ أن يُفهم ما أُحدِّث به عن رسول الله
    -صلى الله عليه وسلم-، وكان إذا تحدَّث أحدٌ في مجلسه زجره ونهاه، وقال:
    قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا
    أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) [الحجرات: من الآية2]، فمن رفع
    صوته عند حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكأنما رفع صوته فوق صوت
    رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.


    كما كان الإمام مالك من أشدِّ الناس في نُصرة السُّنة والهجوم على
    أهل البدع والأهواء، وكان يقول: لا يؤخذ العلم عن أربعةٍ: سفيهٍ يُعلن
    السَّفَه، وإن كان أروى الناس، وصاحبِ بدعةٍ يدعو إلى هواه، ومن يكذب في
    حديث الناس، وإن كنتُ لا أتَّهمه في الحديث، وصالحٍ عابدٍ فاضل إذا كان لا
    يحفظُ ما يحُدّث به.


    وقال الشافعيُّ: كان مالكٌ إذا جاءه بعضُ أهل الأهواء قال: أما
    إنِّي على بيِّنة من ديني، وأمَّا أنت فشاكٌّ، اذهب إلى شاكٍّ مثلِك
    فخاصمه.


    قال القاضي عياض: كان مالكٌ -رحمه الله- أبعد الناس من مذاهب
    المتكلِّمين، وأشدَّ نقداً للعراقيِّين، وقال سفيان بن عيينة: سأل رجلٌ
    مالكاً فقال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طـه:5]، كيف استوى؟
    فسكت مالكٌ حتى علاه الرُّحَضاء -العرق-، ثم قال: الاستواء منه معلومٌ،
    والكيفٌ منه غيرُ معقول، والسؤالُ عن هذا بدعة، والإيمانُ به واجب، وإنِّي
    لأظنُّك ضالاً، أخرِجوه، فناداه الرَّجل: يا أبا عبد الله، والله لقد سألتُ
    عنها أهل البصرة والكوفة والعراق، فلم أجد أحداً وُفِّقَ لما وُفِّقت له.


    وقد سُئل يوماً عن القدريَّة، فقال: رأيى فيهم أن يُستتابوا فإن
    تابوا وإلا قُتلوا، ومن دُرر كلامه في بيان نصرة السنة ما نقله عنه تلميذه
    مطرف بن عبد الله: قال سمعت مالكاً يقول: سنَّ رسول الله -صلى الله عليه
    وسلم- وولاةُ الأمر من بعده سُنناً، والأخذُ بها اتِّباع لكتاب الله،
    واستكمال بطاعة الله، وقوةٌ على دين الله، ليس لأحدٍ تغييرُها، ولا
    تبديلُها، ولا النَّظرُ في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر
    بها فهو منصور، ومن تركها واتَّبع غيرَ سبيل المؤمنين ولاه الله ما
    تَوَلَّى وأصلاهُ جهنَّمَ وساءت مصيراً، ومن شدَّته على أهل الأهواء والبدع
    أنَّه كان يرفض مجردَ نقل كلامهم وآرائهم، فعن يحيى بن خلف الطّرطوسيِّ،
    وكان من ثقات المسلمين، قال: كنت عند مالك، فدخل عليه رجلٌ فقال: يا أبا
    عبد الله، ما تقولُ فيمن يقول: القرآنُ مخلوق؟ فقال مالك: زِنديقٌ، اقتلوه،
    فقال يا أبا عبد الله، إنما أحكي كلاماً سمعته. قال: إنَّما سمعته منك،
    وعظم هذا القول، وقد أفتى بقتل من سبَّ الصحابة وأمهات المؤمنين، وكان
    يقول: لست أرى لأحدٍ يسُبُّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفيء
    سهماً.


    والإمام مالك كان رغم مكانته العلميَّة ومدرسته الفقهيَّة شديدَ
    التورُّع عن الفتوى، يُسأل عن العديد من المسائل فيجيب: "لاأدري"، ولا
    يُبالي بالضغوط الأدبيَّة عليه في هذا المضمار، فقد كان يأتيه السائلُ من
    أقاليم بعيدةٍ، ويتكلَّف المشاقَّ الكثيرةَ؛ ليستفتيه فيجيب بلا أدري، وكان
    يقول: جُنَّة العالم: "لا أدري"، فإن أغفلها أُصيبت مقاتله، وقد عاتبه
    أحدُ أصدقائه في ذلك، فقال له: يأتيني الشَّاميُّ من شامه والعراقيُّ من
    عراقه والمصريُّ من مصره، فيسألونني عن الشيء، لعلِّي أن يبدو لي فيه غيرُ
    ما أُجيب به، فأين أجدهم؟


    قال مالك: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يُورِّث جلساءه قول: "لا أدري" حتى يكون ذلك أصلاً يَفزعون إليه.


    مُوطأ الإمام مالك:-


    منهجُ الإمام مالك العلميِّ واختيارهُ الفقهيُّ، تبلور في كتابه
    الأشهر "الموطأ" الذي يُمثِّل عصارة حياة الإمام العلميَّة والحديثيَّة.


    وقد وَضع الإمام مالك "الموطأ" على نحو عشرة آلاف حديث، فلم يَزل
    يَنظر فيه كلَّ سنة ويُسقط منه حتى بقي على حجمه القائم، وقد استغرقت فترةُ
    إعداده أربعين سنةً، كما يقول الإمام مالك عن ذلك بنفسه، وحتى يستيقن
    الإمام من جودة كتابه قام بعرضه على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة،
    فكلُّهم واطأه عليه، فأسماه الموطأ، وقد رزقه اللهُ -عز وجل- القبولَ
    الكبيرَ والانتشارَ الواسع، وعلى الرَّغم من تأليف العديد من الكتب
    المشابهة للموطأ في نفس المدَّة، إلا أنها قد اختفت تماماً كأنها ما كُتبت
    ولا ظهرت للوجود أصلاً، وتلك بركةُ الإخلاص.


    وقد احتفى العلماءُ بكتاب الموطأ، وعظموا من شأنه، فقد قال
    الشَّافعيُّ: أصحُّ الكتب بعد كتاب الله -عزَّ وجلَّ- الموطأ، وذلك طبعاً
    قبل تصنيف الصَّحيحين –البخاري ومسلم– وقال القاضي ابن العربى: "الموطأ" هو
    الأصل الأول واللُّباب، وكتاب البخاريِّ هو الأصل الثَّاني في هذا الباب،
    وعليهما بنى الجميع ، كمسلم والترمذيِّ.


    وقال الجلال السُّيوطيُّ: وما من مُرسَل في "الموطأ" إلا وله عاضدٌ
    أو عواضد، فالصواب أنَّ الموطأ صحيحٌ كله، لا يُستثنى منه شيء، وقد صنَّف
    ابن عبد البر كتاباً في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل.


    وقد استنبط أهل العلم أصولَ مذهب مالك من كتابه الموطأ، ومن أهمِّها:


    1.القرآن الكريم.


    2.السنة، ومع أنَّ مالكاً يشدِّد في قبول الرواية، إلا أنه كان
    يَقبل المرسل من الاحاديث ما دام رجالُه ثقاتٍ، وفي "موطئه" كثيرٌ من
    المرسلات، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يلتزم الإسناد المتَّصل في أحاديثه
    كلِّها، وكان يكفيه أن يطمئنَّ إلى صحَّة الحديث.


    3.عملُ أهلِ المدينة، وهو من خصوصيَّات مذهب مالك.


    4.قول الصحابيِّ، وذلك إذا لم يُعلم له مخالف، لأنَّ الصحابة أعلم
    الناس بالمقاصد والتأويل، وقد حضروا التنزيل وسمعوا كلام الرسول -صلى الله
    عليه وسلم-.


    5.المصالح المرسلة: وهي جلب منفعةٍ أو دفع مضرَّةٍ لم يشهد لها
    الشرعُ بإبطال ولا باعتبارٍ معين، لأنَّ تكاليف الشريعة ترجعُ إلى حفظ
    مقاصدها في الخلق.


    6.القياس.


    7.سدُّ الذَّرائع، وقد توسَّع في استخدامها الإمامُ مالك جداً، حتى اعتبر بعضُ العلماء العملَ بها من خصوصيَّات مذهبه.


    محنتُه ووفاتُه


    الإمام مالك -كما مرَّ بنا- وُلد سنة 93هـ، أي عاصر ورأى بعينه
    الأحداث الجسام التي وقعت أثناء سقوط الدولة الأمويَّة وقيام العباسيَّة
    مكانها، ثم قيام الثَّورات العنيفة ضد الحكم العباسيِّ، ومقابلة
    العباسيِّين لها بمنتهى الشِّدَّة والعنف، حتَّى إنَّ العباسيين قد أنسوا
    الناسَ معاني العفو والصَّفح، فأدنى محاولةٍ للخروج أو التَّلويح به ولو
    بالإشارة كان بنو العباس يقمعونها بمنتهى الشِّدَّة، ويأخذون البريء
    بالمذنب، والقاعد بالسَّاعي، والبعيد بالقريب.


    وبسبب هذه المضارِّ والمفاسد العظيمة المترتبة على الخروج على
    الحكم، لم يرَ الإمامُ مالك الخروج عليهم، وإن كانوا ظلمةً وجائرين، ولكنه
    مع ذلك لم يكن يوماً مداهناً لخليفةٍ أو أمير، أو يكتمُ العلم من أجلهم،
    لذلك ارتفعت مكانة ومنزلة الإمام مالك عند الخاصَّة والعامَّة، حتى جلس
    الخلفاءُ بين يديه وقرأ الأمراء عليه، وصدع الناس لما أمرهم به، فصار آمراً
    ناهياً، تسري أوامره على الجميع، فحسده على تلك المكانة العالية بعضُ أهل
    العلم ممن يؤثرون الدُّنيا ويسعَون إليها، ووَشَوا به عند أمير المدينة
    جعفر بن سليمان في عهد الخليفةِ أبي جعفر المنصور، وذلك سنة 147 هـ وكانت
    التهمة: أنَّ مالكاً لا يرى أيمان البيعة للخلافة هذه بشيء.


    ولم يكن الإمامُ مالك يقول هذا الكلامَ مطلقاً، بل غايةُ ما تسوَّل
    به خصومه وحسَّادُه للنيل منه: أنَّه أفتى بأنَّ يمين المكره لا تلزمه،
    وذلك عملاً بما رواه في موطئه عن ابن عباس قوله: "ليس لمكرهٍ ولا لمضطهدٍ
    طلاقٌ"، وهو صحيح عن ابن عباس، ولا يصحُّ رفعه، وقد علَّقه البخاريُّ في
    كتاب الطلاق.


    وقد استخدم الثُّوَّار هذا الحديث وما أفتى به الإمامُ مالك، في تحريض الناس على نَكْثِ البيعة للعباسيين.


    كان أبو جعفر المنصور شديدَ الحساسيَّة تجاه أيِّ تحرُّكات لأهل
    العلم، خاصَّةً الأئمة منهم أيامَ الفتن والثورات، وقد مرَّ بنا في ترجمة
    الإمام أبي حنيفة شدةُ أبي جعفر في التعامل معه، لذلك لما وصلت الأخبارُ
    إليه أصدر أوامر مشددةً للإمام مالك بأن يترك التحديث بهذا الأمر ولا يُفتي
    به مَن سأله، فلم يستجبْ مالكٌ لهذه الأوامر ولم يسكت وعدَّ ذلك كتماناً
    للعلم لا يُمكن أن يفعله أبداً .


    لما علم أبو جعفر المنصور بإصرار الإمام مالك على التَّحديث
    والإفتاء بحديث ابن عباس، أمر واليه على المدينة جعفر بن سليمان بأن يؤدِّب
    الإمام مالك، فما كان من الوالي الظلوم والغشوم إلا أن قبض على الإمام
    وضربه بالسياط، وأمر بجذب يديه حتى انخلع كتفُه وأقامه للتشهير بين الناس،
    ثم حمله على جملٍ وطاف به في جنبات المدينة، وذلك لإهانته وإسقاط جاهه بين
    الناس.


    ورغم كلِّ محاولات الوالي للنيل من هيبة مالك ومنزلته، إلا أنَّ
    الله -عز وجل- قد رفع قدرَ الإمام بعد هذه المحنة، ذلك بأنَّ أهل المدينة
    قد غضبوا لما جرى للإمام مالك على يد والي المدينة، وجاهروا بانتقادهم
    للوالي وحتى الخليفة نفسه، وتوتَّرَ الرأي العامُّ داخل المدينة، خاصةً بعد
    إصابة الإمام بعجز فى يده المخلوعة، وقد جلس الإمام في بيته ولم يخرج
    للناس، وشعر الخليفةُ المنصور بمرارة فِعلتِه، فأرسل إلى الإمام مالكٍ
    يعتذرُ إليه ويتنصَّل مما فعله واليه، ولما جاء أبو جعفر إلى الحجاز
    حاجَّاً أرسل إلى مالك واجتمع معه وبالغ في الاعتذار له، تطييباً لخاطره
    وخاطر العامَّة الَّذين غضبوا لإمامهم.


    والخلاصةُ أنَّ محنة الإمام مالك تتعلَّق بالدور المنوط بعلماء
    الأمة في بيان الحق ونشر العلم وإرشاد الناس خاصَّةً وقت النَّوازل،
    والصبرِ على المكاره واحتمال المشاقِّ والصِّعاب؛ من أجل إظهار العلم وعدم
    كِتمانه في ظلِّ تهديداتِ السُّلطة الحاكمة، وطلبها الدائم بكتمان هذا
    العلم الذي قد يُمثِّل إحراجاً وضغطاً على هذه السلطة، كما أنَّ للحسد
    والغيرة المذمومة دوراً بارزاً في أحداث محنة الإمام.


    بعد هذه المحنة ارتفع شأنُ الإمام مالك أيَّما ارتفاع، وأقبل عليه
    طلبةُ العلم من كلِّ حدب وصوب، وكان ثباته على نشر العلم وعدم كتمانه من
    أسباب علوِّ شأنه وانتشار ذكره، بل كان صبرُه على الضَّرب والتَّشهير
    علامةً فارقةً في حياته، فظلَّ في علوٍّ وارتفاع حتى مات سعيداً حميداً في
    سنة 179 هجرية، بعد أن أسَّس مدرسة علميَّة ومذهباً فقهيَّاً ما زال حيَّاً
    باقياً، إلى أن يشاء الله.




    المراجع والمصادر :


    سير أعلام النبلاء.
    البداية والنهاية.
    الكامل في التاريخ.
    تذكرة الحفاظ.
    الديباج المذهب.
    النجوم الزاهرة.
    شذرات الذهب.
    وفيات الأعيان.
    صفة الصفوة.
    الإمام مالك بن أنس لعبد الغني الدقر.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 10:17 pm